كيفية الحد من المخاطر الشرعية.

        يعد الإلتزام بضوابط الشرعية الإسلامية هو حجر الزاوية الذي يميز أعمال المؤسسات المالية الإسلامية عن غيرها من المؤسسات المالية التقليدية الأخرى، وهو الجانب الرئيسي الذي يسعى إليه العديد من المتعاملين مع المؤسسات المالية الإسلامية لذا ينبغى أن تكون للمؤسسات المالية الإسلامية الأليات التى تمكنها من إخضاع معاملاتها المالية وغير المالية للشريعة الإسلامية، كما إن عدم التزام المؤسسات المالية سيؤدى إلى العديد من النتائج السلبية ومنها التالي :-
- فقدان ثقة المتعاملين معها لأن الثقة هي الضابط الرئيسى لكافة المعاملات سواء المالية أو الخدمية.
- فقدان جزء كبير من الحصة السوقية والمتمثلة في المودعين وطالبى التمويل.
- وضع إدارة المؤسسات المالية الإسلامية في حرج المخالفات نتيجة عدم الإهتمام بتطبيق الضوابط الشرعية.
- الإضرار بمصلحة كافة الأطراف المرتبطة بالمؤسسات المالية الإسلامية وبالتالى التأثر في كافة طوائف المجتمع ككل.
- الإساءة لسمعة صناعة المصرفية الإسلامية وهدم ما وصلت إليه من نجاحات.
وتسعى المصارف الإسلامية إلى تحليل وتقييم كافة العوامل الداخلية، والعوامل الخارجية وذلك بغرض رئيسي يتمثل في بيان نقاط القوة والضعف والفرص والتهديدات المحيطة بها والعمل على الحد من المخاطر المحيطة بصناعة المصارف الإسلامية، ويمكن للباحث الحد من المخاطر الناتجة عن عدم الالتزام بضوابط الشريعة الإسلامية (المخاطر الشرعية) من خلال وضع إطار شامل يساهم في الحد من هذه المخاطر أخذا في الإعتبار عوامل البيئة الداخلية والخارجية وتتمثل أبعاد الإطار في كالتالي :-
*نظم الرقابة الشرعية
* العنصر البشري
*الاستقلالية
* التطوير

أولاً :- نظم الرقابة الشرعية
ساهمات الهيئات والمؤسسات المهتمة بصناعة المصرفية الإسلامية في إدراج المعايير والإرشادات الخاصة بعملية الرقابة الشرعية كما تناولت العديد من الدراسات وضع منهج متكامل للرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية ويرى الباحث أنه لكى تتم عملية الرقابة الشرعية يجب أن تتم من خلال المراحل التالية :
الرقابة السابقة : وتتمثل فى دراسة وبحث المسائل التى تحال إلى هيئة الرقابة الشرعية قبل التنفيذ لإبداء الرأى الشرعى فيها وبيان مدى موافقتها لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية ، وهذا تنفيذ حقيقى لمبدأ الشورى فى الإسلام الذى يحقق الرقابة المانعة.
الرقابة المتزامنة ( المرافقة ) : وتتمثل فى قيام إدارة الرقابة الشرعية الداخلية بالمصرف للتأكد من ان جميع العمليات بالمصرف تتم في ضوء الضوابط الشرعية والقرارات المعتمدة من هيئة الرقابة الشرعية، وحتى تتمكن من ملاحظة الانحرافات وقت حدوثها والعمل على الحد منها، ولذلك يطلق عليها اسم الرقابة المتزامنة أو المرافقة .
الرقابة اللاحقة : وتتمثل فى الأتى:-
الرقابة اللاحقة الداخلية :- قيام هيئة الرقابة الشرعية بالمراقبة على العمليات التى تم مراجعتها من قبل إدارة الرقابة الشرعية الداخلية بعد إتمامها واستكمالها للتأكد من أنها تقوم بأداء أعمالها في ضوء قواعد وأحكام الشريعة الإسلامية الصادرة عنها وعن مجامع وهيئات المعاملات المالية الإسلامية والتوصيات الصادرة عن هيئة الرقابة الشرعية.
الرقابة اللاحقة الخارجية:-
وتتمثل في تفعيل البنوك المركزية لدور الرقابة الشرعية المركزية للقيام بأعمال الرقابة الشرعية على أعمال المؤسسات والمصارف الإسلامية التابعة لها وأن تكون قراراتها متامشية مع القوانين الصادرة بالدولة وأن يكون لها صفة الإلزام، وحتى تستطيع مراقبة أعمال هيئات الرقابة الشرعية بالمصارف الإسلامية.


ثانياً :- العنصر البشري
يعد إلتزام العاملين بالمصارف الإسلامية بضوابط وأحكام الشريعة الإسلامية وإلمامهم بطبيعة أعمال المصارف الإسلامية من أهم العوامل المسببة في حدوث المخاطر الشرعية وذلك لأنهم الذراع التنفيذى للأعمال ويرى الباحث أنه يمكن الحد من المخاطر الشرعية الناتجة عن العنصر البشرى من خلال الإهتمام بالتدريب العلمي والعملي للعاملين بالمصارف الإسلامية، وخاصة بمجال الرقابة الشرعية.
بالنسبة للتأهيل العلمي للعاملين بالمصارف الإسلامية والرقابة الشرعية
يجب ان يكون العاملين بالمصارف الإسلامية مؤهلين تأهيلاً علمياً يتناسب مع هذا النطاق على أن يتضمن هذا التأهيل بصفة أساسية ما يلي:-
1- التأهيل العلمي الأساسي: يجب أن يكون من خريجي كليات التجارة والإلمام بمواد المحاسبة، المراجعة، الرقابة، الإدارة، المصارف، المال، التجارة، الإحصاء، الأسواق، التحليل المالي، التكاليف، ونحوها من العلوم الفنية التي تعطيه أساسيات المعرفة المحاسبية والتجارية والمالية.
2- التأهيل العلمي التخصصى في المصرفية الإسلامية: يجب ألا يقتصر التأهيل العلمي على الإجازة الجامعية الأولى فقط، وإنما يتطلب الأمر الحصول على الدراسات التكميلية المتخصصة، وأن يكون لديه معرفة بالاقتصاد الإسلامي وفروعه المختلفة، ومعرفة متعمقة عن طبيعة أنشطة المصارف الإسلامية (صيغ التمويل، أساليب الاستثمار، ومصادر واستخدامات الأموال، الخدمات المصرفية، الجوانب الإدارية والتسويقية ....)، وأصول المحاسبة عن الزكاة ومن مصادر هذه المعرفة : الدراسات العليا في الاقتصاد الإسلامي والمصارف الإسلامية، أو الاشتراك فى الدورات التدريبية التي تنظمها الجهات والمنظمات المهنية المسئولة عن كيفية أداء الأعمال المصرفية الإسلامية.
التأهيل العلمي الشرعي :
أن يكون لديه معرفة بفقه المعاملات بصفة عامة والتكييف الشرعي للمعاملات المصرفية التي تقوم بها المصارف الإسلامية بصفة خاصة، ولا يكفى أن يكون قد درسها بالجامعة فقط، بل يجب عليه أن يدرس ويفهم ما صدر في هذا الشأن عن مجامع ومراكز الفقه وهيئات الفتوى بالمصارف الإسلامية من فتاوى وقرارات وتوصيات وخاصة ما ورد عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (AAOIFI)، والمبادئ الإرشادية الصادرة عن مجلس الخدمات المالية الإسلامية ( IFSB ).
بالنسبة للتأهيل العملي للعاملين بالمصارف الإسلامية والرقابة الشرعية
يدرج الفكر الإسلامي مسألة التأهيل العملي ضمن فروض العين ( أو الواجبات العينية) التي يتحتم على كافة أفراد المهنة الالتزام بمتطلباتها بأعلى درجات الكفاءة والالتزام، بل واعتبر هذه المسالة من ضرورات حفظ مصالح الأمة وأموالها من الضياع والهلاك من ناحية، وعلى إنها أحد اختصاصات العرف (باعتباره أحد مصادر التشريع الإسلامي) الأمر الذي يوضح ضرورة الأخذ بما استقر عليه العرف المهني في مجال التأهيل العلمي ، واعتبار ذلك من الواجبات الشرعية على أعضاء المهنة من ناحية اخرى، كما أن هناك ضرورة لقيام الجهات المهنية المختصة بوضع الشروط والضوابط الكفيلة لضمان جدية وكفاية وفاعلية التدريب العملي، من حيث الشروط والمواصفات الواجب توافرها في التدريب وعملية اكتساب الخبرة العملية، والكفاءة العلمية والعملية للقائمين بعملية التدريب أيضاً.
وفي ضوء ما سبق يمكن للقائمين على صناعة المصارف الإسلامية إتخاذ التدابير اللازمة لدعم التأهيل العلمى والعملي للحد من المخاطر الشرعية من خلال التالي:-
- التعاون المستمر بين المصارف والهيئات والمؤسسات المهتمة بالمصارف الإسلامية لتنظيم المؤتمرات والندوات التعريفية والمتخصصة بالمعاملات المصرفية الإسلامية.
- وضع الضوابط والمعايير اللازمة لإختيار العاملين الجدد بالمصارف الإسلامية.
- وضع خطط للتدريب المستمر للعاملين في المصارف الإسلامية على كافة المستويات
الإدارية.
- إختيار ذوى الخبرة العملية والعلمية في المناصب الإدارية العليا بالمصرف.
- وضع الضوابط الخاصة بنظم الترقية للعاملين بالمصارف الإسلامية على ان تكون في ضوء الخبرة العلمية والمهنية وبعد الخضوع للاختبارات اللازمة.
وبالنسبة للعاملين في الهيئة الشرعية والرقابة الشرعية الداخلية:-
- وضع معايير لتقييم أداء العاملين بالهيئة الشرعية والرقابة الشرعية الداخلية، على أن يتم التقييم بصفة سنوية على الأقل.
- خضوع العاملين بالرقابة الشرعية الداخلية بالمصرف لاختبارات متخصصة ودورية قبل وبعد التعيين مع حصولهم على الدورات التدريبية المتخصصة بصفة دائمة.
- يفضل أن تتضمن هيئة الرقابة الشرعية عضو على دراية بكافة الجوانب المصرفية الإسلامية.
ثالثاً :- الاستقلالية
تعد الاستقلالية هي حجر الأساس للقيام بأعمال الرقابة بشتى مجلاتها، ويجب أن يكون أعضاء هيئة الرقابة الشرعية والرقابة الشرعية الداخلية على قناعة ذهنية لا يقبل حاملها أن تكون أراؤه وقراراته خاضعة لتأثير المصالح المتعارضة وضغوطها، وعلى غرار القواعد الأخلاقية للمحاسبين والمراجعين للمؤسسات المالية الإسلامية والقواعد الأخلاقية للعاملين بها الصادرين عن هيئة المحاسبة للمؤسسات المالية الإسلامية فينبغي أن يكون المراقبين الشرعيين أن يتمتعوا بالاستقلالية التامة بشقيها الحقيقي والظاهر.
وتناولت العديد من الهيئات والمؤسسات المالية الإسلامية موضوع استقلالية هيئة الرقابة الشرعية والمراقب الشرعي الداخلي ووضع العديد من الضوابط للحفاظ عليها وذلك لتحقيق العديد من المقاصد ومنها :-
- تعزيز ثقة المتعاملين مع المؤسسات المالية الإسلامية في إلتزامها بتطبيق أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.
- تحقيق الأهداف الاساسية للمؤسسة المالية الإسلامية من خلال تعزيز استقلالية هيئة الرقابة الشرعية وموضوعيتها.
وفي ضوء ما سبق يجب على المؤسسات المالية الإسلامية مراعاة الضوابط والإرشادات الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية ومجلس الخدمات المالية الإسلامية للحفاظ على إستقلالية هيئتها الشرعية، والرقابة الشرعية الداخلية ومنها التالي:-
- ضرورة قيام القائمين بأعمال الرقابة الشرعية بالتقييم الدورى السنوي لمدى إستقلاليتهم والتعرف على أية أوضاع قد تتعلق بإعاقة الإستقلالية وعرضها على الهيئة الشرعية.
- ينبغي ألا يكون أعضاء هيئة الرقابة الشرعية على علاقة أو ارتباط بأي صفة بالقرارات الإدارية مسئوليات التسيير بالمؤسسة المالية، أو أن يكون لأي من أعضائها صلة قرابة او علاقة مع المؤسسة المالية الإسلامية أو الشركات المتعلقة بها.
- يجب أن يكون لدى المؤسسة إجراءات وأليه مناسبة لحل الإختلاف في الرأي بين مجلس الإدارة والهيئة الشرعية الإسلامية.
رابعاً :- التطوير
يقصد بالتطوير هو التحسين وصولاً إلى تحقيق الأهداف المرجوة بصورة أكثر كفاءة، ويرى الباحث أنه يجب متابعة كافة التطورات المحيطة بصناعة المصارف الإسلامية وذلك للحد من المخاطر التي قد تحدث نتيجة عدم مواكبة تلك التطورات، كما يجب على القائمين على تطوير صناعة المصارف الإسلامية دراسة المتطلبات والإحتياجات والممارسات المؤثرة بها وتقديم الحلول المناسبة والموائمة لضوابط الشريعة الإسلامية في كافة الجوانب ذات العلاقة بالمصارف الإسلامية سواء كانت في صيغ التمويل والخدمات المصرفية بصفة مستمرة، ويمكن أن تساعد الهندسة المالية الإسلامية في هذا المجال وذلك لأنها عبارة عن مجموعة الأنشطة التي تتضمن عمليات التصميم والتطوير والتنفيذ لكل من الأدوات والعمليات المالية المبتكرة بالإضافة إلى صياغة حلول إبداعية لمشاكل التمويل وكل ذلك في إطار موجهات الشرع الحنيف. وتتضمن العناصر التالية:
1. ابتكار أدوات مالية جديدة.
2. ابتكار آليات تمويلية جديدة.
3. ابتكار حلول جديدة للإدارة التمويلية، مثل إدارة السيولة أو الديون أو إعداد صيغ تمويلية لمشاريع معينة تلائم الظروف المحيطة بالمشروع.
4. أن تكون الابتكارات المشار إليها سابقا سواء في الأدوات أو العميلات التمويلية موافقة للشرع مع الابتعاد بأكبر قدر ممكن عن الاختلافات الفقهية أي تتميز بالمصداقية الشرعية.
وسوف يتناول الباحث موضوع الهندسة المالية الإسلامية في بحث اخر مستقل.